مقالات اجتماعية

الحياة اللاهثة: فردوس المجتمعات الحديثة

أ. عبدالله السليم مارس 25, 2022

كثيراً مامرّ على أبصارنا فاصل في القنوات الإخبارية :صورة بتقنية مسرّعة جداً حتى يضحي الليل والنهار لحظة لاتتجاوز النصف دقيقة،والناس يمرّون وسط الساحة ذاهبون آيبون.. تلك اللقطة تمثّل فردوس الحياة الحديثة اللاهثة في المجتمعات المشبعة بروح الحداثة ومبتغى كثير من الأمم والشعوب.

إن أعظم ما خلّفته الحداثة التسارع المهول الذي تحياه كثير من المجتمعات ،أضحى فيه الإنسان حبة حنطة بين حجري الرحا ، انعكس- بطبيعة الحال – على الناس وطباعهم وطبيعة حياتهم، ولعلنا نلفت النظر إلى حالة القلق وانعدام الطأنينة والسكينة فيمن انغمس في هذه الدوامة، وإلا فأن تأثير الحياة الحداثية توسع لجوانب عدة ليس هذا مجال سردها.

كانت مسيرة الأمم والشعوب تسير بهدوء وتروٍ إلى أن بدأت إرهاصات مرحلة العصر الحديث، حيث كان بإمكان الفرد في العصور السابقة أن يتصور عيش جدّه وأبيه وربما يعايش طبيعة حياتهم، ومع عجلة التسارع لا نقول أن حياة الابن اختلفت عن حياة أبيه بل اختلفت مراحل حياته، فطبيعة العيش قبل البث الفضائي ليس كنمط العيش بعده، والناس قبل الإنترنت ليس نمط حياتهم بعد توسع الانترنت، شكّل هذا التسارع في الوسائل والمستجدات في الحياة الحديثة قلقاً وإغتراباً، وأصبح ينشد الهدوء والسكينة التي تُعيد إليه استجماع نفسه، حتى أضحت الصورة المعهودة للإنسان الحداثي وقد تهندم بلباس العمل وأخفض رأسه بين راحتيه يطلب الراحة والهدوء ومحو القلق، والأشد أن تعمم هذه الحالة -أعني حالة التسارع واللهث والتلذذ بسرعة إنجاز المهام- على كافة حياة الإنسان وسلوكه، هي كالملح في الطعام يستخدم قدر الحاجة فإن طغى أفسد كل الطعام، وهنا تفسد الحلقة الأضعف بين الأطراف والمتوقع أن يكون الإنسان هو الأضعف مقارنة بدوامة ونمط الحياة الحديثة، وهناك من العلاقات لا تصح إلا أن تجنب قدر المستطاع عن الحياة الراكضة وتعتمد على الهدوء والسكون كعلاقة التعليم والتربية والحب، بل إن الفرد والمنظمات تحتاج إلى لحظات تركيز بعيدة ضغوطات العمل وماينتجه من قلق وسباق مع الزمن، ويقال: أن الهدوء والإمعان في التخطيط يحصد نتائج أفضل ومسيراً أسرع، وكما قال أبو حيان التوحيدي:” صواب رويّة -الرويّة:التأني – الفكرة من صحة الطباع، وفي تراثنا أن التأني والتؤدة يندب إليه في كثير من الأحوال، وفي هذا السياق يأتي ذكر اجتهاد الفقهاء وتقليبهم للمسائل واستخراجهم للحكم والأحكام، فهل سيكون الشافعي وأحمد كما كانوا لو انخرطوا في لهث الحياة فضلاً أن يقال لو عاشوا حياتنا وتسارعها المذهل؟ ، ومنه أيضاً: توجيه من ينظر في أحكام المتخاصمين بالتخلص من مشوشات الذهن التي تضطره للقلق كما في حديث النهي قضاء الغضبان، وهكذا فإن كثيراً من الأمورتحتاج إلى تأني وتقليب ووثبة قبل الانطلاق، يقول كارل أنوريه: “عندما تسير الأمور بسرعة لا يمكن من أحد أن يكون متأكداً من أي شيء، ولا حتى من نفسه” لكن متطلبات الحياة الحداثية قد تغيّب معنى التأني والسكينة حتى يكون الاشتغال بها من الضياع والخسارة، وصار الشخص اللاهث قلقاً ينشد الطمأنينة ولا يجدها وصار الإنسان الحديث كائناً مستهلَكاً بعد أن كان مستخلَفاً.