مقالات تاريخية
الحضارة باعتبارها أيديولوجية استعمارية
يصف “بروس مازليش” في كتاب الحضارة ومضامينها كلمة “الحضارة” بأنها شكل من أشكال الآيديولوجيا الغربية المسخرة في النزعة الاستعمارية وظلها، وعنّونَ الفصل (2) بـ ” الحضارة باعتبارها أيديولوجية استعمارية ” فسياق استخدام الكلمة ومفهومها غير برئ ولا محايد في كثير من المحافل واللقاءات، وهذا يُلفت انتباهنا إلى استثمار الحديث عن الحضارة بروح رساليّة، نتقصى هنا بعض المفاتح والأمور للحديث عن الحضارة الإسلامية، منها: أن ابتداء الحديث عن الحضارة – وهو مايغلب على ما أُنتج علمياً وفكرياً ومادياً – هو ثمرة حالة سائدة تحفز على البحث والتعلم مما أنتج ثراء في الحضارة الاسلامية من علوم استحدثت كعلم الحديث والعلل والرجال، وأخرى طُورت وثالثة شُذّب منها ما ينافي الحقيقة، ومردُ ذلك إلى بذرة الفكر السليمة وتسيّد المناخ المُحفز، وبشهادة الأغيار بلغت الحضارة التي ترعرعت في البلدان الإسلامية درجة من النضج تضارع الكمال في تدبير شؤون الحياة، وماسردية عصر الأنوار الأوربي من البحث التجريبي التي كمُلت العالم في الإسلامي إلا خير دليل وشاهد، وفي ثنايا هذا ندعو لفكرة: أنه كما حصل رشاد في جوانب تسيير حياة الناس فهو علامة لصحة الهدي في الحياة الأخرى، كما أن الملاحظ في سيرورة تاريخ الحضارات السابقة والحاضرة تركيز وتغليب اهتمام أفراد تلك الأمم وثقافتهم في البحث والتعلم والانتاج على جانب مما يكون غالب مخرجات حضارتهم متعلقة بهذا الاهتمام فحينما غلب على البابلين الفلك صار غالب انتاجهم متعلق الأفلاك وحسابها، ومثله اهتمام الروم بالتصاوير والتماثيل صار غالب ماخلّفوه متعلق بهذا، وكذلك الكونفوشيوسية حينما طغى اهتمامهم بالحديث عن النفس وتهذيبها – حسب رؤيتهم- صار غالب انتاجهم يدور في هذا الفلك، ومن كمالات الحضارة الإسلامية التي يُفاخر بها اشتمالها على غالب مايقيم حياة الإنسان على اختلاف البيئات، فإنتاج الحضارة الإسلامية في الشام مختلف عن مصر والأندلس، وإنتاجهم العراق مختلف عن الحجاز والمغرب، مما يعزز شمولية في الرسالة الحضارية الإسلامية ويجعلها جاذبة، ومن الأفكار التي يحسن التركيز عليها: الامتداد الحضاري وكيف أن الثقافة المحمّلة بتلك الحضارة، لابد وأن تؤثر على الأمم الأخرى، وكما ذُكر أن لغة التحضر والعلم وعليةَ القوم كانت اللغة العربية، ولنقرّب الصورة:ففي الحاضر المُعاش نرى امتداد الحضارة الغربية المعاصر على غالب البشر فأصبحت لغتم هي السائدة، ليس هذا فحسب بل تسرب بعض المفاهيم والثقافات التي حملتها الحضارة الغربية إلى أمم أخرى، مثلاً الحضارة المهيمنة الآن أعلت من جانب الشهوة وأفرطت فيه حتى استباحت تلك الأمم التعري والتحرر و…، ووجدت امتداداً وصدى في أمم أخرى، ومثله تسرب المفاهيم الرأسمالية والسياسية مما يكون له امتداد في فكر أمم أُخر، فكيف نستثمر امتداد الحضارة الإسلامية بما تحمله من أفكار فاضلة في الدعوة إلى الإسلام؟ فكلما حَسُنت صورة الحق وما صاحبه زاد اقتناع الناس به.