مقالات اجتماعية
الجنس والأسرة والمجتمع الأمريكي
“الجنس |والأسرة| والمجتمع الأمريكي”
حينما وصلتُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ لاحظتُ إقبال الأمريكيين وانشغالهم المتطرف، وأحيانا المرضي (بالجنس)، بينما مجال الإشباع الجنسي متاح أمامهم بشكل ديمقراطي مذهل.
لم يدرك كثيرٌ من الأمريكيين أن الجنس مسألة إنسانية مركبة خاصة وفردية وأنها مرتبطة برؤية الإنسان للكون وهويته.
وعدم إدراكهم لهذه الحقيقة البسيطة العميقة، هو أحد أسباب عدم الإرتواء الجنسي؛ فهم يمارسون الجنس في إطار مادي، يترك كيانهم الإنساني بلا إشباع.
وقد وجدتُ أيضاً أن عدم إحساس الأمريكي بالطمأنينة وافتقاده المعنى يجعله دائماً يحاول أن يصل إلى بعض اليقين أو إلى اليقين الكامل المؤقت، ويحاول أن يأتنس بالغير كي يتجاوز اغترابه.
ولكنه في الوقت نفسه يخاف من الارتباط الدائم بالآخر، ففي هذا نوع من الثبات، وهذا هو أخشى ما يخشاه.
وقد وجد ضالته في الجنس العابر، فمن خلاله يمكنه أن يصل إلى اليقين والإئتناس المؤقتين، فالعلاقة الجنسية علاقة أكيدة يمكنه أن يدركها بحواسه الخمس، ومن هنا تُدخل شيئاً من الطمأنينة على قلبه، ولكنها لا تضطره في الوقت نفسه للارتباط بالآخر.
(ولهذا نجد أن هذا الموقف من الجنس قد أثّر على بناء الأسرة).
فقد ألقى على كاهل الجميع عبئا ثقيلا، فأينما تفتح التلفزيون الأمريكي تجد امرأة نصف عارية تبيع لك شيئا ما.
وهذا يُصعّد من توقعات الرجل الأمريكي بالنسبة للجنس، فيطلب إلى زوجته أن تكون إحدى ملكات الإغراء، ويحاول هو جاهداً أن يصبح أحد ملوك الإغراء، وهو الأمر الذي يسبب عدم الاطمئنان والإحباط له ولزوجته لاستحالة تحقيق مثل هذه الرغبات.
وتساهم شركات التجميل في تصعيد هذا الجانب، فتزيد من توقعات الذكور الجنسية مما يضطر الإناث لاستهلاك المزيد من مستحضرات التجميل.
ومؤسسات الإعلام التي تبحث عن الربح، تُشِيع صورة الجنس السهل المباشر، الذي لا يسبقه مقدمات، ولا توجد بعده أي توابع: أطفال وعلاقات اجتماعية وتغير في الرؤية.
لكن: تَحَطُّم الأسرة بدوره يزيد من السعار الجنسي، إذ أن الأسرة هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن داخلها تنظيم الرغبات الجنسية دون أن تتم عملية قمع كاملة لها.
د. عبد الوهاب المسيري في مذكراته: ( رحلتي الفكرية) بتصرف، (٢٣٩- ٢٤٥).