مقالات اجتماعية
الأنثروبولوجيا في ظل الاستعمار
في نهاية القرن (١٩)م تزامنت غزوات الاستعمار الأوربي مع تطور “الانثروبولوجيا”(١) بداراسة الشعوب المستعمرة؛ إذ فتحت نافذة لدراسة عادات وديانات وطقوس ورموز وثقافة وآمال وهواجس الشعوب المستعمَرة التي تشكلت من ثقافته ومعيشته.
يعتمد المخيال على ظهور تمثيلي وقدرة على الترميز ينبثق منها طقوس وآمال وهواجس تنبت من حقل ثقافي ذي مبادئ وقيم وأخلاق وسلوكيات، تتشكل منه النظرة للذات وبيئة الحياة المحيطة بالإنسان، فتُخرج لنا فلسفة يتعاطاها الناس في حياتهم… فتكون مما يتسامرون به في مجالسهم، ويتحاكمون إليه في أسواقهم، فيصبغون عليها حكماً أخلاقياً في تعاملهم، قد لا يكون مدوناً وثيقة أو مسطوراً في كتاب، لكن أثره في الحياة اليومية لا يمكن تجاهله، والسؤال كيف صيغت فلسفة الحياة اليومية لدى الشعوب؟
إن كثرة تعاطي الشيء وتكراره تجعل له قيمة وقانوناً يستفيد منه المرء ويتعامل به مع غيره، فالبيع والشراء ضرورة لعيش الإنسان واستقامة حياته؛ فنجد للتجار حِكَماً وأمثالاً ورموزاً قد لا يفهمها غيرهم، ومثله نجد للفلاحين وأهل الزرع رموزًا ومعارف وحكمًا تختلف عن أهل العلم والمعرفة الثقافة، وكل تلك الأمور من ترميزات وحكم وأمثال هي بذاتها فلسفة يسير عليها أهل تلك الصنعة، ولو استصحبنا تلك الأدوات في تتبع فلسفة الحياة لرأينا بونًا شاسعًا بين أهل جاكرتا وطنجة، وبين أهل الفقار والبحار، وبين العرب والترك والفرس، فلكل قوم فلسفة ورموز وأمثال انبثقت من ثقافتهم وطبيعة عيشهم، ويرجع اختلاف فلسفة حياة الشعوب إلى حاجة الناس لتلك الأمور، فأهل البحر يجعلون للسفن رمزية ويقصّون حول أبطالها الأساطير، وأهل التجارة يعلون قدر شأنهم برموز وأساطير وحكمٍ، فتتشكل في مخيلتهم الصورة التي يريدون أن يصيروا إليها، بل إن المخيال -الذي تشكل من رموز وأمثال وأساطير- ربما يكون المحفز الأقوى في صنع السيرة والصورة التي يرتضيها المرء عن نفسه، لا شك أن هناك قضايا مشتركة في فلسفات الحياة اليومية تنبثق إما من دينهم أو عرقهم أو حالهم ما يكون عاملاً في تشابه مخيالهم .
تحرير أ.عبدالله السليم
(١)علم دراسة الإنسان وديانته وطقوسه وعاداته.