مقالات اجتماعية

الأسرة: الحصن الأخير في وجه المدنية الحديثة

أ. عبدالله السليم أغسطس 25, 2021

تُشكل منظومة الأسرة الملاذ والحصن الأخير في مواجهة المدنية الحديثة المنفكة عن القيم الفُضلى لدى الأسرة ، حيث معان السمو والتضحية والإيثار والمحبة والاهتمام والسكينة التي تظلل الحياة الأسرية، يقابلها قيم الحياة المدنية حيث الإعلاء للقيم المادية، فالحب بلا مقابل في لغة المادة إهدار خاسر، والتضحية في عالم الماديات ضياع، وهكذا يُتعامل مع المعاني الروحية في موازين الماديات.

“المادية” مذهب فلسفي له أصوله، وإذا أطلقت هذه اللفظة في اللغة الدارجة لا يقصد قائلها معنى المذهب الفلسفي- فكثير مما درج على ألسنة الناس دال على بعض المعنى لكنه لا يطابقه المطابقة التامة- بل يريد في الغالب التمسك بالأشياء المحسوسة وهي داخل نطاق الحياة الأسرية :الإعلاء من شأن الأسباب المحسوسة في العلاقة – بين الرجل وزوجه والأب والأبناء – وجعل جودة العلاقات بين أفراد الأسرة قائمة على الاستكثار من الماديات، والتباهي بها في شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي، المشكلة أنه ينشئ جيل يرى التعبير عن المحبة هو بالاستكثار من الماديات ويُمني نفسه بها، ويرى أن عائلهُ مقصر في محبته؛ بسبب انعدام أو قلة ماديته.

مما يلحظ في الفهم المتداول: ذم الإنسان المادي عموماً، وفي نطاق الأسرة يكون أشد ذماً، – ومن المفارقات أن الناس يستنقصون المادي، ويتطلبون المادة!- وحينما يُذم هذا الصنف إنما يقصد به الغالي ممن جعل الارتكاز الرئيس على الماديات مع أسرته؛ إذ العلاقات الأسرية قائمة على دعائم، مثلا بين الزوجين ( وجعل بينكم مودة ورحمة) وبين الآباء والابناء الرحمة والتضحية والاحترام والتوقير، فهذه القيم يصعب أو يستحيل وزنها بميزان مادي. وخير الأمور التعاطي مع الماديات باعتدال في الحياة الأسرية، ويكون هذا بأمور منها : إبطاء عجلة تضخم الماديات في الحياة الأسرية، ومحاولة الاهتمام وتركيز النظر للأمور المعنوية، وكذلك وضع الماديات في موضها الطبيعي فلا تُقدم على القيم الحاضنة لمنظومة الأسرة، والابتعاد – قدر الإمكان – عن تعويد النشء على التكريم والاسترضاء بالماديات فحسب؛ خوفاً من جعل العلاقات الأسرية تعاقدية بدلاً من كونها تراحمية، كذلك مما يُخاف من تضخيم هذا الجانب مزاحمته وتقديمه على القيم، وتربية الفرد ومناط اختياراته على تعظيم الماديات ولو خالفت معتقداته الدينية.